فصل: مسألة أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها أنا آخذها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها أنا آخذها:

وقال مالك في أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها: أنا آخذها، قال مالك: أنا أرى أنه أحق بها بما أعطوا بها لأن في ذلك خيرا يعتق ولدها ولا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الزوج إذا أراد أن يأخذهم بالثمن الذي أعطوا بهم فبيعهم من غيره بذلك الثمن إضرار بالولد في غير منفعة تصير إليهم، فلا يمكنون من ذلك إذ لا مضرة عليهم في بيعهم من الزوج ولا منفعة لهم في بيعهم من سواه، ولو باعوها وحدها دون ولدها لم يكن أحق بها بما يعطى فيها إلا أن تكون حاملا إذ لا تكون له أم ولد إذا اشتراها وإن كانت قد ولدت منه قبل الشراء إلا أن يشتريها وهي حامل منه، وفي ذلك اختلاف قد روي عن مالك أنها لا تكون له أم ولد حتى يكون أصل الحمل بعد الشراء. ومثل هذا في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العتق وفي غير ما موضع، وكذلك يجب في كل شيء مشترك لا شفعة فيه إذا باع بعض الأشراك أنصباءهم أن يكون لمن بقي منهم أن يأخذ ذلك بالثمن الذي يعطى فيه ما لم ينفذ البيع، والله الموفق.

.مسألة رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته فقال له الأب نعم:

ومن كتاب أوله استأذن سيده في تدبير جاريته:
قال: وسألت ابن القاسم عن رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته، فقال له الأب: نعم، فذهب أبوها إلى رجل فسأله ابنته أن يخليها مع ختنه ففعل فخلا بها فافتضها، قال: إن كانت طاوعته ضربت الحد ولا صداق لها، وإن كان استكرهها كان لها الصداق على أبوي الجارية المملكة إلا أن لا يكون عندهما شيء فيكون ذلك لها على الذي افتضها إن كان موسرا ويتبع هو أبوي الجارية، وعلى أبوي الجارية المملكة وأبوي الجارية المستكرهة النكال على كل حال.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة: إن الصداق على الذي افتضها ويرجع الذي افتضها على الذي غره، وهو القياس، وما هنا استحسان لأنا إذا قضينا لها بالصداق على الذي افتضها أعدينا الذي افتضها بذلك على الذي غره، فالقضاء لها بالصداق على الغار أولى من أجل أنه أقل عناء، والذي يوجبه النظر الصحيح أن تكون مخيرة في اتباع من شاءت منهما لأن الذي افتضها غريمها والغار غريم غريمها، فلها أن ترجع عليه بما لغريمها أن يرجع عليه، وسائر قوله في المسألة صحيح لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها:

قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها، وذلك من صداقها، فتضع المرأة صداقها عن زوجها، هل ترى الشرط قد وضع عن زوجها بوضع الصداق عنه؟ وهل للمرأة قضاء في ذلك الشرط مع أبيها ما كان حيا؟ أو هل للأب أن يسنده إلى أحد إذا مات؟ أو هل بيد المرأة من ذلك الشرط شيء، إن لم يسنده أبوها إلى أحد؟ قال ابن القاسم: أما قولك ذلك من صداقها فذلك باطل ولا يوضع عنه الشرط بوضع الصداق وذلك بيد أبيها، فإن تزوج فأراد الأب أن يطلق وأرادت هي الإقامة مع زوجها نظر في ذلك، فإن كان الذي أرادت من ذلك هو حظها وهو خير لها لم يكن للأب أن يطلق، وإن كان الذي أراد أبوها من الفراق هو حظها وهو خير لها كان القضاء في ذلك، قضاء أبيها ولم يقبل لها قول؛ لأني سمعت مالكا يسأل عن الرجل يجعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه، فحل الأجل ولم يأت فأراد أبوها أن يطلق، وقالت المرأة: لا أحب فراق زوجي فقال مالك: القول في ذلك قولها، ويمنع أبوها من الفراق، وإن مات أبوها وأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له وكان في ذلك بمنزلة أبيها، قال: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء، وفي سماع أبي محمد يحيى قال ابن القاسم: وإن طلق الأب قبل أن يمنعه السلطان مضى الطلاق، وإن طلق بعد منع السلطان فلا يجوز.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في الذي اشترط على زوج ابنته إن تزوج عليها فأمرها بيدها إنه إن تزوج عليها فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن السلطان ينظر في ذلك، فمن رأى الحظ في إرادته منهما كان القضاء قضاءه الأب كان أو الابنة، ولم يقل كما قال مالك في الذي جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه إنه إن لم يأت إلى الأجل فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن القول في ذلك قولها ويمنع أبوها من الفراق، والوجه فيما ذهب إليه إنه جعل لاشتراط الأب على زوج ابنته أن أمرها بيده إن تزوج عليها حقا فلم ير أن يخرج من يده إلا بنظر السلطان لأنه يقول: أنا أعلم أنه إنما تزوج عليها إرادة الإضرار بها من حيث لم تعلم هي، ولذلك شرطت أن أمرها بيدي فوجب أن ينظر السلطان في ذلك، بخلاف جعل الزوج ذلك بيده دون أن يشترط عليه؛ لأنه إذا لم يشترطه عليه فإنما فعله لزوجته لا له، فكانت أحق بالقضاء في ذلك منه، والله أعلم، ولا فرق بين المسألتين إلا من جهة الشرط. وقوله: إنه إن مات فأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له هو مثل ما له في كتاب بيع الخيار من المدونة خلاف رواية علي بن زياد عنه في ذلك فيه، وقوله: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء خلاف ما حكى عنه ابن القاسم في كتاب بيع الخيار من المدونة لأنه قال فيه. فكأني رأيت مالكا رأى ذلك لها، أو قال ذلك لها ولم أتبينه، وبالله التوفيق.

.مسألة أصدقها مائة دينار فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا أيحال بينه وبين وطئها:

قال عيسى: قلت له: فلو كان فرض مائة دينار أو نحوها فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا، أيحال بينه وبين وطئها حتى يقدم إليها أدنى ما ينكح به؟ فقال: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها.
قال محمد بن رشد: قوله: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها كلام متناقض فليس على ظاهره، ومعناه: الإنكار أن يكون عليه أن يعطيها ربع دينار قبل أن يعود إلى مسيسها، وتقديره: أيقال له أعطها ربع دينار وهو ليس عليه أن يجتنب مسيسها أي ليس يقال له ذلك، وكذلك في سماع أبي زيد أن ذلك يكون دينا عليه ولا يكف عن وطئها، ومحمد بن المواز يرى الوطء الثاني كالأول فيكره له التمادي على الوطء حتى يعطيها ربع دينار ولها عنده أن تمنعه نفسها حتى يعطيها ربع دينار، وإن كانت قد أذنت له في الدخول عليها فدخل، وهو إغراق؛ لأن الدخول بها قبل أن يقدم إليها شيئا من صداقها ليس بحرام، وإنما يكره مخافة أن تهب له بعد ذلك الصداق فيكون قد استحل فرجها بلا صداق، فإذا دخل فقد فات الأمر وذهب موضع الكراهية، ولو أذنت له بالدخول عليها قبل أن يدفع إليها من صداقها شيئا لما كان له أن يدخل حتى يقدم إليها من صداقها ربع دينار، ولكان لها أن تمنعه من ذلك أيضا لأن الكراهة في ذلك حق لله تعالى، فلا يلزمها الإذن فيما زاد على ربع دينار، وقد مضى هذا في رسم الطلاق الثاني والثالث من سماع أشهب، ويأتي في رسم أوصى ورسم يوصي ورسم العشور من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد، وبالله التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.

.مسألة مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغتسل:

ومن كتاب العرية:
قال ابن القاسم وسفيان بن عيينة: الفرق ثلاثة آصع.
قال محمد بن رشد: زاد في سماع أصبغ من كتاب الوضوء وهو الذي كان يتوضأ منه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويتطهر، وهو المعنى المقصود إليه، وقد مضى هنالك القول في صفته وتسميته ومبلغ ما يحمل من الماء ووجه تخريج ما يعارض ظاهره من الآثار في مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويغتسل مستوفى، فمن أحب الوقوف من ذلك على الشفاء تأمله هناك، ولا وجه لإعادته هنا إذ ذلك الموضع به أليق وأولى، وبالله التوفيق.

.مسألة زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله ثم مات:

قال: وكل من زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله أو زوج ابنته في حياته أجنبيا أو قريبا فحمل صداقها في ماله ثم مات أن ذلك يكون في ماله من رأس المال ولا يحاسب به الابن ولا الابنة في موروثهما منه ويحاصان الغرماء في الموت، وإن حمل ذلك عنهما في المرض لم يجز في شيء منهما من ماله وخير ابنه فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل، وإن دخل اتبع به دينا، قلت: وكذلك الأجنبي الذي زوجه ابنته في مرضه وحمل عنه الصداق إن دخل غرم، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل؟ قال: نعم، وإنما هيج هذه المسألة ابن أبي حسان في رجل قال في مرضه لابن أخيه قد وصلتك بابنتي فإنه إن قبل زوج وخفف عنه من الصداق بقدر ما يرى مما أراد من التخفيف عنه.
قال محمد بن رشد: أما إذا زوج الأب ابنه أو ابنته في صحته أجنبيا أو قريبا وحمل عنهما الصداق في ماله فلا اختلاف في أن ذلك يكون لهما في رأس ماله إن مات ولا يحاسبان بذلك في ميراثهما ويحاصان به الغرماء في الموت والفلس كما قال، ومعنى ذلك في الدين المستحدث، وأما في الدين القديم فلا لأنه إذا كان عليه دين يغترق ماله فلا يجوز له أن يحمل صداقا عن أحد لأنه من المعروف، والدين أحق من المعروف ومن الهبات. وأما إن زوج ابنه في مرضه وحمل عنه الصداق فمات من مرضه فلا اختلاف في أن ذلك وصية لا تجور إلا أن يجيزها له الورثة ويخير، فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه، وإن كان صغيرا نظر في ذلك له وليه أو وصيه بعد موت أبيه، قاله في المدونة. وقد قال مالك فيها فيمن يضمن الأب عن ابنه في مرضه لا يعجبني هذا النكاح، ووجه كراهته له ما دخله من الخيار، ووجه القول الأول أنه خيار لم ينعقد عليه النكاح، وإنما أوجبه الحكم، فلم يكن له فيه تأثير، وأما إن زوج ابنته في مرضه وحمل الصداق عن زوجها ففي ذلك اختلاف كثير جعل ذلك هاهنا وصية للابنة فلم يجزها، وقال مطرف وابن الماجشون إنها وصية للزوج فتجوز له من ثلثه إن لم يكن وارثا، ورويا ذلك عن مالك، وهو قول ابن وهب في سماع أصبغ وقول ابن القاسم في رواية أبي زيد، واختلف في ذلك قول أشهب على ما ألزمه أصبغ في سماعه من مسألة الذي يقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته، قال ابن الماجشون وهذا إذا كان الذي سمي لها وحمله عن زوجها صداق مثلها فأقل، وأما إن كان أكثر من صداق مثلها فالزائد على صداق مثلها وصية لها لا يجوز باتفاق إلا أن يجيزها الورثة، وروى ذلك أبو قرة عن مالك، وقاله عدة من أصحابه، فإن لم يجيزوا ذلك لها كان الزوج مخيرا بين أن يخرجه من ماله أو يترك النكاح، ولا يلزمه منه شيء، وبالله التوفيق.

.مسألة أصدقها الخادم ثم بعد سنين تصدقت به عليه ثم مات زوجها:

وسئل عن الرجل تموت امرأته فيرث ما تركت هو وولدها، وكان ما تركت خادما فتزوج امرأة فأصدقها تلك الخادم وأقامت في يديها سنين، ثم إنها تصدقت عليه بالخادم فأقامت بعد ذلك سنين هي له، ثم توفي فوجد له كتاب فيه ذكر الخادم أنها لولده من امرأته التي توفيت أو كتب بذلك في وصيته، هل ترى أنها لهم دون إخوتهم من أبيهم؟ قال: ليس لولده الذين ذكر في كتابه أنها لهم في الخادم شيء، وإنما لهم قيمتها يوم أصدقها امرأته.
قال محمد بن رشد: إنما يكون لهم قيمتها يوم أصدقها على ما قال إذا ثبت أنها لهم ببينة تشهد على ذلك أو على إقرار الأب لهم بها في صحته فيحمل قوله وجد له في كتاب فيه ذكر الخادم أنها لولده من امرأته على أحد وجهين، إما أن يكون الكتاب تضمن معرفة الشهود لذلك، وإما أنه تضمن إشهاده على نفسه بذلك في صحته، وأما إن لم يعلم ذلك إلا بأنه كتبه في وصيته في مرضه فلا يكون لهم بذلك شيء، إذ لا يجوز إقرار الرجل في مرضه لبعض ولده دون بعض إذا كانت حالتهم واحدة في البر به أو العقوق له على ما في سماع أصبغ من كتاب المديان والتفليس، وإنما وجب لهم قيمتها يوم أصدقها امرأته لأنها قد فاتت بتزويجه بها على مذهبه مليا كان أو معدما ودخل بالمرأة أو لم يدخل بها، وستأتي هذه المسألة والقول فيها في رسم الجواب من سماع عيسى إن شاء الله.

.مسألة امرأة وليت عقد نكاح جارية لها ثم إن الرجل زوج الجارية طلقها:

وعن امرأة وليت عقد نكاح جارية لها ثم إن الرجل طلق امرأته قبل أن يعلم أنه كان مفسوخا ثم أراد أن يتزوجها، قال: إن كان طلقها البتة فلا ينكحها حتى تنكح زوجا غيره.
قال محمد بن رشد: هذا على ما اختاره ابن القاسم وأخذ به من قول مالك، وقد مضى هذا في آخر رسم من سماع أشهب، ومثله في المدونة وغيرها من قوله واختياره، وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة المرأة تدعي على زوجها صداقا مؤخرا إلى غير أجل قبل الدخول بها:

ومن كتاب يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه:
قال: وسألته عن المرأة تدعي على زوجها صداقا مؤخرا إلى غير أجل قبل الدخول بها وتأتي على ذلك بشاهد يشهد أنه تزوجها بمائة دينار نقدا ومائة مؤخرة إلى موت أو فراق، فقال: أما إذا ادعت ذلك قبل البناء بها فلا يقبل قولها بشاهد واحد ولا تحلف معه إذا كان زوجها منكرا لذلك لأنها تدعي فسخ نكاح، فلا يجوز في الفسخ شاهد ويمينها، ولا يكون الفسخ إلا بشهادة شاهدين؛ لأنها وإن طلبت حقها فيما تزعم فإن ذلك الحق لا يثبت لها إلا بفسخ النكاح، فنحن لو قبلنا يمينها مع شاهدها فسخنا نكاحه ولم تتبعه بقليل ولا بكثير، وردت عليه ما أخذت منه إن كانت أخذت منه شيئا لأن هذا النكاح إذا أُدرك قبل الدخول بها فُسخ، فلا تثبت لها المائة الآجلة التي ادعت إذا كان ذلك قبل الدخول بشاهد واحد مع يمينها، ولا يثبت لها أيضا بشاهدين؛ لأنها لو أقامت شاهدين فسخنا النكاح بينهما، قال: وإن ادعت هذا الآجل بعد الدخول وأتت بشاهد قلنا النكاح قد ثبت، وقد فات موضع الفسخ؛ لأنه لا يفسخ مثل هذا النكاح بعد الدخول ولو شهد على ذلك العدول فقد فات منه موضع الفسخ، وإنما هي مدعية حق وليست مدعية فسخ نكاح، فهي تحلف مع شاهدها وتستحق صداق مثلها، فإذا حلفت قُوِّمَ لها صداق مثلها فأعطيته إلا أن يكون الذي وصل إليها من العاجل أكثر من صداق مثلها فيكون ذلك لها ولا ترد منه شيئا ويسقط عن زوجها الآجل الذي عليه، وإن كان الذي وصل إليها أقل من صداق مثلها ألحقت بتمام صداق مثلها نقدا إن كان لصاحبها مال وإلا اتبعته به دينا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها لا تحلف مع شاهدها قبل الدخول على ما تدعي من أنه أصدقها مائة نقدا ومائة إلى موت أو فراق صحيح على المشهور في المذهب من أن النكاح يفسخ قبل الدخول على كل حال وإن رضي الزوج بتعجيل المائة التي إلى أجل مجهول أو رضيت المرأة بتركها، وأصبغ يقول: إن النكاح لا يفسخ إذا رضي الزوج بتعجيلها أو رضيت المرأة بتركها، فعلى قوله يحلف قبل البناء مع شاهدها، وقد حكى ذلك ابن حبيب عنه. وظاهر قوله أنها إذا حلفت مع شاهدها بعد الدخول وكان صداق مثلها أكثر من المعجل والمؤجل فلها جميع ذلك، ومثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن مالك من رواية مطرف عنه وعن ابن الماجشون، وهو ظاهر ما في المدونة في باب نكاح الشغار، وحكي عن ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ أنه إذا وجد صداق مثلها من المعجل والمؤجل فلا يزاد على مقدار المعجل والمؤجل كما لا ينقص من مقدار المعجل؛ لأنه إذا عجل لها ما رضيت به إلى أجل فلا حجة لها، وقد قيل: إن لها صداق مثلها كان أقل من المائة أو أكثر من المائتين، وهو ظاهر قول أصبغ وأبي زيد في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى، وبالله التوفيق.

.مسألة يخطب امرأة وتحته أخرى فيقول وليها لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك:

قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يخطب امرأة وتحته امرأة أخرى فيقول وليها: لا أزوجك إلا على أن تطلق امرأتك، التي تحتك أو تجعل أمرها بيد صاحبتها، فيقول أشهدكم إذا دخلت على صاحبتكم فأمر امرأتي التي تحتي بيدها، فزوجوه على ذلك ثم صالح امرأته التي تحته فتدخل عليه الأخرى وليست التي جعل أمرها بيدها تحته ولا في ملكه ثم يريد أن يتزوجها، قال: يتزوجها وليس من أمرها بيد امرأته قليل ولا كثير؛ لأنه إنما قال: إذا دخلت على صاحبتكم فأمر امرأتي بيدها فقد دخلت وليست في ملكه، وهو بمنزلة من يحلف لغريم له بطلاق امرأته أن يوفيه حقا له عليه إلى أجل فصالح امرأته قبل الأجل فَحَلَّ الأجل وليست في ملكه فإنه لا يقع عليه حنث، وهو يتزوجها بعد الأجل إن شاء. قلت: وكذلك لو قال يوم تدخل علي صاحبتكم فامرأتي التي تحتي طالق البتة أو طالق واحدة أو اثنتين فصالحها ثم تدخل عليه الأخرى وليست في ملكه ثم يريد أن يتزوجها؟ قال: نعم، هو مثله، وله أن يتزوجها، ولا يلحقه طلاق؛ لأنه من وجه التقاضي، قلت: ولا يكون مثل أن يقول: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق فيصالح امرأته فيدخل الدار ثم يتزوجها فتريد أن تدخل الدار؟ قال: ليس هذا مثله هذا إن عاد إلى دخول الدار بعد أن يتزوجها عاد عليه الطلاق ما بقي عليه من ذلك الطلاق شيء؛ لأنه فعل ذلك الفعل بعينه الذي حلف عليه وهي في ملكه؛ ولأن الذي قال يوم تدخل عليّ فامرأتي طالق فصالحها ودخلت عليه وهي ليست في ملكه فقد وقع الفعل وليست في ملكه، فليس يستطيع أن يعود إلى ذلك الفعل بعد أن تزوج هذه التي حلف فيها؛ لأن الدخول عليه إنما هو مرة واحدة فقد دخلت عليه تلك المرأة وليست في ملكه، ولا يستطيع أن يعود إلى ذلك أكثر، وأن الذي حلف ألا يدخل دار عمرو بن العاص فهو يستطيع أن يعود إلى دخولها بعد أن يتزوجها؛ لأنه فعل حلف عليه يستطيع أن يفعله متى شاء، وإن دخول المرأة إنما هو مرة واحدة فليس يستطيع أن تدخل عليه ثانية بعد أن تزوجها إلا أن يطلقها ثم يتزوجها، وأما إن لم يطلقها فليست تستطيع أن تدخل عليه أكثر من تلك المرة التي دخلت والمرأة التي فيها اليمين ليست في ملكه فليس عليه فيها شيء وإن تزوجها بعد ذلك، وكذلك الذي حلف بطلاق امرأته إن دخلت دار عمرو بن العاص فصالح امرأته ثم دخل وأقام فيها ثم تزوج تلك المرأة ودخلت عليه في الدار؛ فإنه لا يقع عليه طلاق حتى يخرج ثم تدخل، وأما ما أقام فيها معها فليس يقع عليه طلاق، وكذلك الذي يحلف بطلاق امرأته ألا يدخل الفسطاط فصالح امرأته تلك ثم دخل الفسطاط فتزوج تلك المرأة بالفسطاط وسكن معها بالفسطاط؟ قال: لا يلزمه يمين ولا يقع عليه حنث ما أقام بالفسطاط حتى يخرج من الفسطاط ثم يدخل، فإن خرج ثم دخل وقع عليه الطلاق، وقيل له: وكذلك الذي يحلف بطلاق امرأته إن ركب هذه الدابة فصالح امرأته وركب الدابة ثم تزوجها وهو على تلك الدابة؟ قال: إن لم ينزل حين تزوجها حنث، وليست الدابة ولا الثوب يلبسه مثل الدار؛ لأنه لو أقام على الدابة راكب بعد التزويج فذلك فعل مبتدأ، وكذلك الثوب إن لبسه بعد أن راجعها حنث؛ لأن إقرار الثوب عليه بعد مراجعتها فعل حادث وركوب الدابة كذلك، قلت: فيحلف بطلاق امرأته أن لا يركب هذه السفينة أو لا يدخلها فيصالح امرأته ثم دخل السفينة فيتزوجها فدخلت عليه في السفينة وأقام ولم يخرج منها؟ قال: أما إذا قال: إن دخلت فصالحها ثم دخل وراجعها فدخلت عليه في السفينة فإنه لا يلزمه حنث حتى يخرج ثم يدخل، وأما إن قال: إن ركبت فهو مخالف لقوله: إن دخلت. إن قال: إن ركبت فصالحها ثم ركب فراجعها وهو فيها فإنه إن لم ينزل مكانه حنث، وهو بمنزلة الثوب والدابة، وقد سمعت بعض أهل العلم يقول فيمن حلف ألا يتزوج بالفسطاط فخرج إلى مكة فعقد نكاح فسطاطية بمكة قال: لا شيء عليه إذا عقد نكاحها بغير الفسطاط وإن كانت المرأة بالفسطاط إذا عقد النكاح بغير الفسطاط، قال: فإن قال: كل امرأة أتزوجها من أهل مصر فهي طالق فلا يجوز له أن يعقد نكاح مصرية بموضع من المواضع وتطلق عليه إن فعل، قيل لابن القاسم: وكذلك الذي حلف بالطلاق ألا يشتري سلعة كذا وكذا بالفسطاط فخرج إلى مكة فاشترى تلك السلعة بعينها من صاحبها بمكة والسلعة بالفسطاط؟ قال: نعم، هو كذلك أيضا لا حنث عليه. قلت: وكذلك الذي يقول في عبد بعينه إن اشتراه بالفسطاط فهو حر فلقيه سيده بمكة فاشتراه منه ثم والعبد بالفسطاط؟ قال: نعم، هو كذلك أيضا لا شيء عليه، ثم قال بأثر ذلك: أرأيت لو أن رجلا خطب إلى قوم وتحته امرأة فقالوا: إنا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فذهب عنهم فصالح امرأته ثم أتاهم فزوجوه وكتبوا عليه طلاق امرأته وليست تحته امرأة، ثم أراد أن يتزوجها أيلحقه من يمينه شيء؟ قال: ليس يلحقه من ذلك الطلاق شيء ويتزوجها إن شاء.
قال محمد بن رشد: أما قوله: في الذي شرط لامرأته أن أمر امرأته التي تحته بيدها يوم تدخل عليه أو أنها طالق واحدة أو اثنتين يوم تدخل عليه فصالحها ثم دخلت عليه وليست في ملكه ثم تزوجها بعد ذلك إنه ليس بيدها من أمرها شيء ولا يلزمه فيها طلاق لأنها يوم دخلت عليه لم تكن في ملكه فهو صحيح على ما يوجبه اللفظ، وأما على ما يقتضيه المعنى فيجب أن يكون أمرها بيدها إن تزوجها عليها بعد أن دخل بها وأن تطلق كلامه أيضا إن كان قال: فهي طالق لأنه إنما أراد أن لا يجمع بينهما، وهو الذي يأتي على مذهبه في المدونة؛ لأنه قال في كتاب الأيمان بالطلاق منها في الذي يشترط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق أو أمرها بيدها فيطلق امرأته واحدة أو اثنتين فتبين منه ثم يتزوج امرأة ثم يراجع امرأته أن المرأة التي تزوج تطلق عليه أو يكون أمرها بيد امرأته، وإن لم يتزوجها عليها وإنما تزوجها هي عليها لأنه إنما أراد أن لا يجمع بينهما ولا ينوى في ذلك إن ادعى نية، وأما الذي حلف لغريمه بطلاق امرأته ليوفينه حقه إلى أجل فصالح امرأته قبل الأجل فإنه لا يقع عليه حنث بمضي الأجل، وله أن يتزوجها بعد ذلك ولا يكون عليه شيء باتفاق إلا أنه قال في المدونة: وبئس ما فعل من فر من الحنث من أجل أنه غر غريمه إذا حلف له ثم فر من الحنث، إذ لو علم ذلك لقام عليه بحقه ولم ينظره به، وقوله: لأنه من وجه التقاضي إشارة منه إلى مسألة الغريم المذكور التي احتج بها، وسائر المسائل التي ذكر صحيحة ومعانيها التي ذكر بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، وتفريقه في الذي يحلف وهو في السفينة أن لا يركبها وأن لا يدخلها صحيح لأن الركوب واللباس والسكنى يقع على ابتداء ذلك وعلى التمادي عليه، والدخول إنما يقع على ابتداء الدخول في الشيء لا على التمادي على المقام في داخله، وبالله التوفيق.

.مسألة يزوج ابنته فيقول له الناكح إني أخاف أن تكون وليتك سوداء:

وسئل عن الرجل يزوج ابنته أو وليته فيقول له الناكح: إني أخاف أن تكون وليتك سوداء أو عمياء أو عوراء، فقال: ليس لها من هذه العيوب شيء، وهي برية من ذلك فيجد بها بعض ذلك هل يردها بذلك؟ قال: نعم إذا شرطه على ذلك ردها، وهو قول مالك، قلت: أرأيت إن لم يعلم العيب حتى مس؟ قال: يكون لها الصداق عليه ويكون ذلك له غرما على من غره، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وكذلك لو خطب رجل إلى رجل فقال: قد قيل لي: إن وليتك سوداء، فقال: قد كذب من قال ذلك، هي البيضاء الكذا فنكحها فوجدها سوداء إنما ترد عليه لأنه غره، وهو كالشرط، وكذلك العمياء والعرجاء، قال أصبغ: ومثله الرجل يسوم الرجل الجارية فيقول: إنها ليست تطبخ ولا تخبز فيقول: هي تطبخ وتخبز وتنصب، أو يقول، ليست بعذراء، فيقول: هي عذراء فيكون ذلك كالشرط.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أعلمه في أن الخاطب إذا قال للمخطوب إليه: قد قيل لي: إن وليتك سوداء أو عوراء فقال له: قد كذب من قال ذلك بل هي البيضاء الكذا أن ذلك شرط بمنزلة قوله: ليس لك من هذه العيوب لشيء، يكون للناكح ردها إن وجد بها بعض ذلك، فإن لم يعلم بذلك حتى مس كان لها الصداق، وكان ذلك له غرما على من غره، وإنما اختلفوا إذا وصفها له الولي عند الخطبة بالبياض وصحة العينين ابتداء على غير سبب وهي عوراء أو سوداء فقيل: إن ذلك لازم للزوج ولا كلام له في ذلك لأنه فرط إذ لم يتثبت ويستخبر لنفسه، وهو قول أصبغ في الخمسة، ومذهب ابن القاسم في رواية يحيى عنه واختيار محمد بن المواز، وقيل: إنه بالخيار قبل الدخول إن شاء تقدم على أن عليه جميع الصداق وإن شاء فارق ولم يكن عليه شيء، فإن لم يعلم حتى دخل ردت إلى صداق مثلها على ما بها من العيوب ورجع بالزائد عليها، وهو قول ابن وهب وعيسى بن دينار، وقيل: إنه يرجع به على الولي الذي غره إلا أن تكون ثيبا قد علمت بكذب وليها فتقدمت على معرفة بذلك فيرجع عليها إن كان لها مال وإلا رجع على الولي، وهو قول ابن حبيب، قال ابن القاسم في الدمياطية: ولو قال له غير الولي الذي زوجها منه أنا ضامن لها أنها ليست بسوداء ولا عوراء ولا عرجاء فدخل بها ووجدها بخلاف ما ضمن له لكان له الرجوع عليه بما زاد على صداق مثلها وليا كان أو غيره، وكذلك الحكم في الذي يزوج وليته على أن لها من المال كذا وكذا شرطا لما ليس لها أو سمى ذلك لها عند الخطبة من غير شرط لا فرق بين المسألتين في واحد من الوجهين، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تنكح المرأة لجمالها ولمالها»، ففرق بين الوجهين إلا أن محمد بن المواز ذهب إلى أنه إن زوج وليته بشرط أن لها من المال ما ليس لها فإنما للزوج أن يرجع على من شرط له ذلك وغره بما زاد من المهر على صداق مثلها إن هو خلى سبيلها ولم يرض بها، وهو بعيد؛ لأنه يقول: لم أتزوجها ولا رضيت بما سميت من الصداق إلا لما شرط لها من المال، فإذا لم يكن ذلك فأنا أردها وأرجع بجميع الصداق على الذي غرني كما يقول في السوداء سواء إذا غر بما شرط له من بياضها، وابن حبيب يرى للزوج رد القرعاء والسوداء وإن لم يغر من ذلك كالعيوب الأربعة، وذكر ذلك عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأما الذي يبيع الجارية ويصفها بأنها عذراء وبأنها تنصب وتطبخ وتخبز، فسواء وصفها بذلك ابتداء أو بعد أن قال له المبتاع: إنها ليست عذراء ولا تطبخ ولا تخبز، للمبتاع أن يردها إذا لم تكن على ذلك كالشرط سواء، ولا اختلاف في هذا، قال في سماع أصبغ من العيوب: وكذلك لو قال: إنها تزعم أنها بكر أو إنها صناعة أو رقامة لردها إذا لم تكن على ذلك كالشرط، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يزوج ابنته قبل أن تبلغ المحيض فيدخل بها زوجها ثم يطلقها:

قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يزوج ابنته قبل: أن تبلغ المحيض فيدخل بها زوجها ثم يطلقها، هل يجوز تزويج أبيها إياها بغير مؤامرتها؟ قال: قال مالك تزويجه جائز عليها من غير مؤامرتها ما لم تحض، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن تزويج أبيها جائز عليها إذا رجعت إليه من غير مؤامرتها ما لم تحض عند أبيها، فإذا حاضت عند أبيها بعدما رجعت إليه رأيت أن لا يجوز عليها تزويجه إلا بمؤامرتها وكانت كالثيب التي مات عنها زوجها أو طلقها وقد حاضت، قلت: أرأيت الصغيرة التي لم تحض إذا دخل بها زوجها ثم طلقها أو مات عنها قبل أن تحيض أتلزم أباها النفقة عليها؟ قال: نعم، قلت: أرأيت إذا حاضت بعد أن رجعت أيلزم النفقة عليها وهو لا يستطيع أن يزوجها إلا بمؤامرتها؟ قال: لا تلزمه نفقتها إذا حاضت، وذلك ما ليس فيه شك، قال: وسئل عنها سحنون فقال: إذا رجعت إلى أبيها قبل أن تحيض وقد كان دخل بها زوجها كان حالها حال البكر يزوجها أبوها بغير رضاها وإن حاضت، ويلزمه الإنفاق عليها.
قال محمد بن رشد: وقد قيل: إنه لا يجبرها على النكاح وإن لم تبلغ، وجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن الأب يملك العقد على ابنته بعلة البكورة والصغر، فإذا ارتفعت البكورة قبل ارتفاع الصغر كان من حقه أن يزوجها لعلة الصغر حتى تبلغ، كما أنه إذا ارتفع الصغر قبل ارتفاع البكورة كان له من حقه أن يزوجها بعلة البكورة حتى ترتفع أيضا، ووجه قول سحنون أن وطأها قبل البلوغ لا يعتبر به إذ لا تحصن به في النكاح، ولا تحد فيه في الزنى، فوجب أن يكون للأب أن يزوجها وإن بلغت كمن لم يدخل بها، ووجه القول الثالث أنه لما كان دخوله بها قبل أن تبلغ المحيض كدخوله بها بعد أن بلغت المحيض سواء في أن ذلك وطء تحل به إن كان طلقها ثلاثا وجب أن يكون ذلك سواء في أنه لا يجوز للأب أن يزوجها إلا برضاها، وبالله التوفيق.